back page fehrest page next page

فإن مت يا أم أحيمر فانكحي *** و لا تأملي بعد الممات تلاقيا

فإن الذي حدثت عن حال بعثنا *** أحاديث طسم تترك القلب لاهيا

و لو لا فضول الناس زرت محمدا *** بمشمولة حتى تروي عظاميا

[60]

و الحديث في معناه طويل ذكرت طائفة منه في موضع يليق به و من تفصيل ما يذكر من مخازيه نهب المدينة و استحلال حرم الله تعالى و قتله سيدنا و مولانا الحسين بن علي (عليه السلام) .

فصل

و من كتاب الوسيط عند قوله تعالى هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ قال و كان أبو ذر يشم أن هذه الآية نزلت في الذين برزوا ببدر .

و أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى أخبرنا عبد الملك بن الحسن بن يوسف القسطي حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عبادة قال سمعت أبا ذر يقسم لي أقسم بالله : أن هذه الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ في هؤلاء الستة حمزة و عبيدة و علي بن أبي طالب و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة و قال رواه البخاري عن حجاج بن منهال عن هشام و رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان كلاهما عن أبي هاشم .

و من سورة هل أتى عند قوله تعالى وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً قال و لا تطع منهم مشركي مكة آثما يعني عتبة بن ربيعة و كفورا يعني الوليد بن المغيرة قالا له ارجع عن هذا الأمر و نحن نرضيك بالمال و التزويج .

قال عبد الله بن إسماعيل : و قد سلف أن عتبة و شيبة كانا من المطعمين يوم بدر و مما نزل فيهما من القرآن .

[61]

فصل

قال عبد الله بن إسماعيل : و صورة ما جرى من أبي سفيان و معاوية في قتال أمير المؤمنين (عليه السلام) و عداوته و ما اعتمد يزيد و عتبة و شيبة و الوليد وراثة عن سلفهم بيانه ما رواه العلماء من أن أمية بن عبد شمس كان قد نبه في أهل بيته بني عبد شمس و شرف فيهم و تقدم عليهم حتى قال لعمه هاشم أنا أشرف منك فإن أحببت أن تعرف ذلك فنافرني فقال له هاشم كيف أنافرك و أنت كبعض ولدي فقال هيهات إني شرفت بنفسي و جد في ذلك فأجابه على المنافرة على أن يأخذ النافر من المنفور مائة ناقة و يجليه عن الحرم عشر سنين فتنافرا إلى كاهن غسان من قرية سطيح كان بغسان و خرج كل واحد منهما في أهله و ولده و من مال إليه و كان ممن خرج مع أمية حموه أبو بهمة بن عبد العزيز أحد بني الحرث بن فهر فلما صاروا ببعض الطريق قالوا اخبئوا له خبيئا تتبارونه فمروا بأطباق جمجمة فخبئوها مع أبي بهمة ثم جاءوه فقالوا قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا عنه فقال و النور و الظلمة و ما تهامة من بهمة و ما ينجد من أكمة لقد خبأتم أطباق جمجمة مع أبي بهمة قالوا فنفر بين هاشم و أمية فقال و القمر الباهر و النجم الزاهر و كل منجد و غابر لقد سبق هاشم أمية بالمآثر أولا و آخرا فأعطوه مائة ناقة و نهضوا فقال هاشم و الله لا تدخل الحرم عشر سنين و نفاه إلى الأردن فأقام بها و دخل هاشم مكة و نحر الإبل و أطعم فلما كان بعد عشر سنين قدم أمية مكة.

[62]

قال عبد الله بن إسماعيل : يمكن أن يكون الكاهن لقن ما قال من بعض الأنبياء (عليهم السلام) .

قال عبد الله بن إسماعيل : ثم تلا ذلك حسدا حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف لما ذهب شرفه كل مذهب فدعاه إلى المنافرة فكره عبد المطلب ذلك فلح حرب و أكثر و جعل يأكله بلسانه حتى تكلم في ذلك رجال من قريش فأجابه عبد المطلب و حكما بينهما نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب فقضى لعبد المطلب بعد قصص طويلة و مدح لعبد المطلب جليلة فأنشأ نفيل يقول :

ليهن قوم لهم في الفضل سابقة *** حمل المآثر سبق ما له نوع

‏أعطاهم الله نورا يستضاء به *** إذا الكواكب أخفى نوره القرع‏

و هبت الريح بالصرار فانطلقت *** تزجي سحابا سريعا سيره ظلع

‏قوم عروق الثرى منهم أرومتها *** ما حارب اليوم في أوكارها الضوع

‏أبناء هاشم أهل المجد قد علمت *** علياء معد إذا ما هزه الوزع

‏ما أن ينال رجال علو منزله *** و لا يحل بأدنى شقه الصدع

‏يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعا *** سقي الحجاج و ما ذا يحمل الهبع

‏أبوكما واحد و الفرع بينكما *** منه الخشاش و منه المثمر الينع

‏فاعرف لقوم هم السادات أفضلهم *** لا يدركنك يوم شره دفع‏

فأخذ عبد المطلب الإبل فنحرها و أطعم الناس فغضب حرب على نفيل و أوعده فاستعصم بالعاص بن وائل .

[63]

فصل

روى الثعلبي عند تفسير سورة الفرقان عند قوله تعالى وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ ما صورته : قال الشعبي كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف فأسلم عقبة فقال أمية وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا فكفر و ارتد لرضا أمية فأنزل الله عز و جل وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يعني عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على يديه ندما و أسفا على ما فرط في جنب الله و روى أيضا أن الخليل أبي بن خلف .

فصل

و من سورة الم تنزيل في الوليد بن عقبة قال أبو إسحاق الثعلبي عند قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الوليد بن عقبة أخي عثمان لأمه و ذلك أنهما كان بينهما تنازع و كلام في شي‏ء فقال لعلي اسكت فإنك صبي و أنا و الله أبسط منك لسانا و أحد منك سنانا و أشجع منك جنانا و أملأ منك حشوا في الكتيبة فقال له علي اسكت فإنك فاسق فأنزل الله تعالى أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ .

و من سورة الحجرات عند قوله تعالى إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنها نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا و كان بينه و بينهم عداوة في الجاهلية فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله و لرسوله فحذره

[64]

الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله و قال إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم و أرادوا قتلي فغضب رسول الله و هم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله و قالوا يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه و نكرمه و نؤدي إليه ما قبلنا من حق فبدا له في الرجوع فخشينا أن يكون إنما رده من الطريق كتاب منك لغضب غضبته علينا و إنا نعوذ بالله من غضبه و غضب رسول الله فاتهمهم رسول الله فبعث خالد بن الوليد إليهم و أمره أن يخفي عليهم قدومه و قال انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم و إن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد و أتاهم فسمع منهم أذاني صلاة المغرب و العشاء فأخذ منهم صدقاتهم و لم ير منهم إلا الطاعة و الخير فانصرف خالد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره الخبر فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط سماه الله تعالى فاسقا نظيره أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ روى الثعلبي حديثا رفعه إلى عبد الله بن مسعود عند آية التجسس قيل له هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا فقال إنا قد نهينا عن التجسس فإن يظهر لنا شيئا نأخذه به .

فصل

و مما لحق بذلك حال عبد الله بن سعيد بن أبي سرح أخي عثمان بن عفان من الرضاعة و كان عثمان به حفيا يجادل عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

[65]

على ما مضى فهو لذلك و لغيره في حرب بني أمية .

من كتاب الكشف تفسير الثعلبي عند تفسير سورة الأنعام عند قوله تعالى وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ نزلت في عبد الله بن سعيد بن أبي سرح و كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر فنونا أضربت عن ذكرها فلما نزلت وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ... الآية أملاها رسول الله فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال له رسول الله اكتبها هكذا نزلت فشك عبد الله و قال إن كان محمد صادقا فلقد أوحي إلي كما أوحي إليه و لئن كان كاذبا لقد قلت كما قال و ارتد عن الإسلام و لحق بالمشركين و نزل فيه و في عمار و قد كان أذاه و أشباهه من المسلمين إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً .

قال عبد الله بن إسماعيل رحمه الله تعالى : اعتبر أيدك الله تعالى من ذكرت من عشيرة الثالث و جماعته و قبيلته و خاصته و تأمل ما حكيته عنهم مقصرا أو أجملته موجزا و الملح الحاصل منه ينبهك على خلل بين مشترك بين جماعتهم سار في طريقتهم تارة ببغض البدر الهاشمي و المحتد النبوي و تارة بوهن العقائد و سوء المقاصد في المصادر و الموارد و ها أنا أنضد لك ما فرقته و أنظم ما نثرته ليبين لك معناه و يتضح عندك خفاياه قد أسلفت بيان عداوة أمية لهاشم و عداوة حرب بن أمية لعبد المطلب بن هاشم و عداوة الحكم بن أبي العاص لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التي

[66]

اقتضت لعنته على ما روته عائشة و هو طريد رسول الله الذي آواه عثمان و له قصة في ضلاله غريبة قال مروان ابنه لحويطب بن عبد العزى تأخر إسلامك أيها الشيخ فقال له حويطب و الله لهممت غير مرة بالإسلام و كل ذلك يعوقني عنه أبوك فسكت مروان فقال له حويطب أ ما أخبرك عثمان ما كان من أبيك إليه حين أسلم فازداد غما و أما عداوة ولده مروان لأهل هذا البيت فبين و هو الذي أشار إلى الوليد بن عتبة بالتضييق على الحسين (عليه السلام) في البيعة ليزيد بالازدراء في ترك ذلك إليه ثم عداوة أبي سفيان بن حرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم عداوة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان أم معاوية ثم عداوة معاوية لأمير المؤمنين و قبل ذلك دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أسلفت على معاوية ثم عداوة جد معاوية عتبة بن ربيعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قتل ببدر بسيوف الهاشميين أمير المؤمنين و جماعته على ما مضى ثم عداوة شيبة أخي جد معاوية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قتل ببدر بيد الهاشميين أيضا ثم عداوة الوليد خاله حتى قتل بسيف علي أمير المؤمنين مغوار الجماعة المشار إليهم (عليهم السلام) ثم عداوة أخيه حنظلة لرسول الله حتى قتل على عداوته و بغضه بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم عداوة يزيد بن معاوية للحسين (عليه السلام) حتى انتهت الحال إلى ما انتهت إليه ثم عداوة عقبة بن أبي معيط لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى روى الرواة في ذلك أنه كان يطأ عنقه الشريف بقدمه فلا يرفعها حتى يظن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم

[67]

أن عينيه قد سقطتا حتى قتله الله بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم عداوة الوليد بن عقبة هذا لأمير المؤمنين (عليه السلام) و نزول الكتاب المجيد فيه بأنه من الفاسقين و هذا أخو عثمان لأمه موليه الولايات مقدمه على الأقطار و الجهات و هو الذي كتب إلى معاوية على ما يقع عندي لما أراد مصالحة أمير المؤمنين (عليه السلام) مسلما حقه إليه .

فإنك و الكتاب إلى علي *** كدابغة و قد حلم الأديم‏

ففتأه عن رأيه و جرت الفتن و سفكت الدماء بين الفريقين بواسطة بغضته و سوء إنحائه ثم عداوة عبد الله بن أبي سرح أخي عثمان من الرضاعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ردته بعد الإسلام قاصدا بالتكذيب عليه و الإشارة بالنقص إليه هذا بعض من كل و جزء ذو قل إذ العدد الذين شينوا هذا البيت الهاشمي بنو أمية لا يقع عليهم حصر الأقلام و لا تحوط بهم حصون الأفهام .

قال عبد الله بن إسماعيل : اعتبر هذه البغضة و تبينها تجدهم فيها حائدين عن الطريق اللاحب حاصلين بالقدح الخائب محاربين للصفوة (عليهم السلام) عن التمسك بحبل الله المتين دافع لهم عن السبيل الواضح المستبين و انظر إلى القبيل الهاشمي لتعرف الفارق بين القبيلتين و المائز بين الفئتين .

و ما يستوي البحران هذا مكدر *** أجاج و هذا طيب الطعم سائغ‏

هاشم و ولده عبد المطلب و غرر بنيه منهم سيدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ابنته فاطمة سيدة نساء أهل الجنة و أمها خديجة رضي الله عنها

[68]

أول من صدقته من النساء و ابناها الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و بعلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سيد الصديقين بالنقل الذي لا يتهم راويه و لا يستغش حاكيه و أبوه المدافع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذاب عنه المانع الخطوب منه و أمه فاطمة بنت أسد كافلة رسول الله كفنها بثوبه و كبر عليها بسبعين تكبيرة لكل صف من الملائكة الذين صلوا عليها تكبيرة و نزل معها في قبرها ليوسع الله تعالى عليها رواه أبو الفرج الأصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين و أخوه جعفر الطيار بجناحين و ولده عبد الله الجواد المفضال الأريحي المبذال و عمه حمزة سيد الشهداء المقتول بيد وحشي في جيش أبي سفيان بن حرب و العباس بن المطلب رضي الله عنه و ولده الحبر المعظم قدس الله روحه و عبيد الله الأريحي السخي و الفضل البطل الكمي و قثم المقدم السري .

مساميح بيض كرام الجدود *** مراجيح في الرهج الأصهب

‏إذا ضم في الروع يوم الهياج *** قدم إلى أرجب...مطاعيم

حين نزوح الشمال بشقان قطقطها الأشهب

‏مواهيب للمنفس المستزاد *** لأمثاله حين لا موهب

‏أكارم نمو حسان الوجوه *** مطاعيم للطارق الأجنبي

‏مقاري تحت طخي الظلام *** مواري للقادح المثقب

‏نجوم الأمور إذا دلست *** بظلماء ديجورها الغيهب‏

[69]

و أهل القديم و أهل الحديث *** إذا انقضت حبوة المجتبي‏

قال عبد الله بن إسماعيل : هذه إشارة وجيزة إلى طائفة من رجال البيتين و بعض من أعيان الفئتين توقظ عين غافل و ترشد طلب سائل و إذا اعتبرتها جدا فانظر كيف كانت عشيرة الثالث و جماعته و خاصته على سالف الدهر و غابره و ما في الزمن و حاضره أعداء للأسرة الهاشمية حساد للقبيلة النبوية يصادمونهم بكتائب المنافسة و الشيان و يصارمونهم بسيوف الظلم و العدوان و ينهلونهم مكاره البغي و يعلونهم و يحاربونهم في الشيطان و يكاثرونهم السلف مع السلف و الخلف مع الخلف فلما حطمت الكتائب الهاشمية قرون غلوائهم و أذاقتهم من أفواه أشفار المشرفية وبي دائهم و طحنتهم أرحية جلدهم في المعارك و ألجأتهم إلى أضيق المسالك كمنوا كمون النار في زنادها و سكنوا مسرين خبث النفوس و قديم أحقادها إلى أن أمكنت الفرصة فعاد و المثل قاعدتهم و جروا في سبيل ضلالتهم فقصد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) منهم من قصد بغدره أسامه فنون ختره و أرصد له الأرصاد و أظهر له الأحقاد فركد له ركود الرواسي الثوابت و لقيه بالعزم الثابت صارم العزم حاضر الحزم ساري الفكر ثبت المقام صلب العود غير ناكص عن اللقاء أو واهن في زمام الدماء فلما أن حقرت العزائم عدوه و أرهقته و اكتنفته كتائب الأراقم و أنهشته .

بها فتية تحت العوالي كأنها *** ضواري سباع أسدها و نمورها

إذا نهضت مدت جناحين فيهما *** على الخيل فرسان قليل صدودها

[70]

كأن شعاع الشمس تحت لوائها *** يخاطبها حمر المنايا و سودها

لجأ عند ذلك إلى قاعدتها في الختل رافعا للمصاحف داعيا إليها معتمدا في الظاهر عليها ليبرد أوار الكتائب بحيلته و يطفئ لهب الحرب بخديعته فأصغى الغافلون من طغام الشام و غيرهم إلى مقالته مؤازرين له على ضلالته غير معتبرين بسيرته و سيرة سلفه في الإعراض عن مراسم الكتاب و بعدهم عن معرفة يوم الحساب فلما رأى مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما انتهت الحال إليه بنى على ما بنى عليه ثم قوي أمر معاوية بخديعة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري فزاحم مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) عند ذلك عن ركوب صهوات المنابر و حاربه بغيا و غبنا أطراف المآثر .

نلت هذا العز حتى تشرفت *** بيوتك فينا و اشرأب عمودها

و قد صرت ترمينا بنبل بنا *** استوت مغارسه منا و فينا حديدها

بينا هو و أقربوه جادين في تنكيس ذرواتها حاتين في درس معالم آياتها صفقوا نازين على فروع عذباتها منازعين من به رقيت باسقات درجاتها و هم على مثل القاعدة السابقة في الضلال و الطرق و الوعر من الاختلاف و صار المقررون لقواعدها بسيوف جهادهم و صنوف اجتهادهم مدفوعين عنها مباعدين منها مخاطبين عالي عتبها و سامي رتبها .

أ لسنا عرى الإسلام حيث تقلبت *** بنا الحال أو دارت علينا الدوائر

إذا ولد المولود منا تهللت له *** الأرض و اهتزت إليه المنابر

[71]

فهي عند ذلك تضطرب قلقة مرتاحة إليهم عاطفة عليهم ذعرة ممن قرع عاليها و تسنم ساميها ناطقا بالتسليك الزاجر عن الحرب و هو واقع فيه حال أقطاره و معانيه أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ خطب عبد الملك بن مروان فقام إليه رجل من بني سمعان فقال ما بالكم تأمرون و لا تأتمرون و تنهون و لا تنتهون أ فنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع قولكم بألسنتكم فإن قلتم اقتدوا بسيرتنا في أنفسنا فكيف و أنى و ما الحجة و كيف الاقتداء بسيرة الخونة الظلمة و إن قلتم اسمعوا قولنا و اقبلوا نصحنا فكيف ينصح غيره من يغش نفسه و إن قلتم خذوا الحكمة أنى وجدتموها فعلى م قلدناكم أزمة أمورنا أ ما علمتم أن فينا من هو أعلم بفنون اللغات و صنوف العظات منكم فتحلحلوا عنها يبتدر إليها أهلها الذين شردتموهم في البلدان .

إذا ما علا الأعواد منهم مفوه *** فأسفر عن بدر و لاحظ عن صفر

رأيت عدو الدين أخضع كاسفا ***و ذا الدين و الإسلام مبتلج الصدر

و ما عالنت كف بإنكار حقهم *** على الناس إلا و هي ناقصة الشبر

فروع بخار لا تزال نفوسهم *** محبسة بين المكاره و الصبر

محاربين مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) كما زعموا على الدين آمرين له باتباع مناهج اليقين فيا له غبنا خلا الدهر عن مروره من مضاهيه و لم يتمحص في تقلباته بمساويه في مساويه ثم آل الأمر إلى قتله عليه السلام بسيوف الغفلة على يدي.. .

[72]

يرى قتله زلفى يوم المعاد قربى من رب العباد و هذا أيضا زيادة في الغبن الذي جرت الحال إليه و انتهت الأمور إليه و أشد في الغبن ما جرى من تظاهر يزيد على الخلافة و مطاولتها مدعيا أنه الأحرى بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تثقيف الأمة و حراستها و الذب عن الشريعة و حياطتها مع كفره الذي صرح به لسان التواتر و نطقت به أفواه المحابر على ما مضى .

فإن مت يا أم الأحيمر فانكحي *** و لا تأملي بعد الممات تلاقيا

فإن الذي حدثت من حال بعثنا *** أحاديث طسم تترك القلب ساهيا

يصطلم في دولته مهجة مولانا أبي عبد الله الحسين (ص) أبناء من طغام كثير إن مولانا الحسين (عليه السلام) جائر فيما قصد إليه مع شرفه المشبون و مجده الظاهر و المصون و سمته المهذب و الموزون راغبا في إقامة سنن جده و أبيه و ما أمر الله تعالى في كتابه من إرشاد و تنبيه و عدوه مشغول يشرب الخمر يناظر فيها و يقرر قواعد تحليلها و تقويم طريقة شاربيها و يعاضده على محاربة مولانا أبي عبد الله (عليه السلام) من يدعي التزاما بشريعة جده (ص) مقرا أن الحق ما جاء به من عند الله و أرشد إليه .

عجائب لذوي الأذهان معتبر *** فيها بل العمر فيها جد معتبر

و لقد أفحم الحجاج خالد بن يزيد و قد قال إلى كم هذا البسط في

[73]

القتل قال إلى أن لا يبقى في العراق من يزعم أن أباك كان يشرب الخمر ثم انتقل الحال إلى الوليد بن يزيد فمزق المصاحف و هو عند السفلة معدود من الخلائف تجبى إليه الفي‏ء أسوة برسول الله (ص) في وجوب طاعته و امتثال كلمته و بنو هاشم مع ذلك مغمورون مقهورون رعايا تجري عليهم أحكامه و ينفذ فيهم إبرامه و مضى عليهم اصطلامه و المساعد له مقر بالإسلام و شرائعه و لواحقه و توابعه .

لو يعلم الحجر الصوان ما اجترحت *** يد الخطوب لسحت منه آماق‏

و من غرائب الغبن خروج طلحة و الزبير و عائشة قبل ذلك على أمير المؤمنين (عليه السلام) قاصدين إقامة سنن العدل و بناء سوره و إحيائه بعد دثوره آخذين بدم عثمان و قد كانوا الجمر المحرقة في اصطلامه المطرقين له أسباب حمامه و هم راغبون بالحيلة في غراض دنيوية لا تخفى على ناقد بصير أو معتبر خبير بعيدين عن الحكمة فيما قصدوه كيف اختلفت بهم الحال لوجود المنافسات بين المتقدمين و الرغبة في الملك بين المتبوعين و شعب جمعهم مع ذلك العزم الهاشمي و درس آثارهم السيف العلوي فبين قتيل و أسير و هارب و مستجير .

لهم من قراع الهاشمي ابن فاطم *** على خفوات البهم بين الضراغم‏

و إذا اعتبرت ذلك جميعه رأيت فرعا للمنع من كتب الصحيفة ثم فرعا للشورى و لذلك تفصيل يوضح عن أسراره و يهتك مسلك أستاره .

[74]

فصل

و من أعداء الصفوة عمرو بن العاص الدعي يوضح عن هذه الدعوى من القرآن المجيد قوله تعالى في أبيه يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ و الأبتر هو الذي لا عقب له دليله و دليل ما قبله ما رواه الواحدي في كتابه الوسيط عن محمد بن موسى بن الفضل حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن رومان قال كان العاص بن وائل السهمي ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له لو قد هلك انقطع ذكره و استرحتم منه فأنزل الله تعالى في ذلك إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ما هو خير لك من الدنيا و ما فيها و الكوثر العظيم من الأمر فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ العاص بن وائل .

قال عبد الله بن إسماعيل : غير مستنكر إذا أن يكون المشار إليه عدوا للصفوة حربا و عليهم مع قبيله من الأغراض له في الخصال و بعدهم عن غاية نقصه بالكمال تارة بسوء مذهبه و تارة لبعد ما بين نسبهم و نسبه لأنهم .

مصفون في الأنساب محضون نجرهم *** هو المحض فينا و الصريح المهذب

‏خضمون أشراف لهاميم سادة *** مطاعيم أيسار إذا الناس أجدبوا

إذا ما المراضيع الخماص تأوهت *** من البرد إذ مثلان سعد و عقرب‏

[75]

و حاددت النكر الجلاد و لم يكن *** لعقبة قدر المستعيرين معقب

‏و بات وليد الحي طيان ساغبا *** و كاعبهم ذات القفية أسغب

‏إذا نشأت منهم بأرض سحابة *** فلا النبت محظور و لا البرق خلب

back page fehrest page next page