back page fehrest page next page

و من أفراد مسلم أن عمر سأل أبا أوفى عما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة العيد فقلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ و ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ .

[16]

قال عبد الله بن إسماعيل رحمه الله تعالى : إذا اعتبرت هذه القصة تأكد الغبن بيان ذلك إنه إما أن يكون للمشار إليه نية في تحصيل الأحكام الشرعية أو لا فإن كان الأول فأين هذه الفطنة من قريحة من كان تلميذه المقصر عنه يسمع الكلام فيحفظه بمجرد قريحته من غير قصد إلى حفظه أو غرض في إحرازه و إن كان الثاني من كونه لا نية له في نقل الأحكام الشرعية أشد في غبن من كان في عكس هذه النقائص تماما و في روح الفضائل إماما و لمتفرقها في أقطار الفلوات قلوب الخواص نظاما .

ففيه ما فيهم لا يمترون به *** و ليس في القوم ما فيه من الحسن‏

علمه في مجلس واحد ألف حديث حسب الحاسب‏كل حديث من أحاديثه يفتح ألفا عجب العاجب‏من كان إلف أحمد يوم الوغا جلدة بين العين و الحاجب‏

و من ذلك نهيه عن المغالاة في المهور حتى نبهته المرأة بقوله تعالى وَ إِنْ.. . آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً فقال كلكم أفقه من عمر حتى النساء .

و من الجمع بين الصحيحين من مسند عمار بن ياسر أنه قال لمجنب : لا تصل .

فنبهه عمار بأنهما كانا في سرية فلم يصل عمر أما أنا فتمعكت في التراب .

[17]

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما صورته : إنما يكفيك أن تضرب بيديك ثم تنفخ ثم تمسح وجهك و كفيك .

و اللفظ الأول لي .

قال عبد الله بن إسماعيل : إذا اعتبرت هذه القصة تأكد عجبك لوجوه منها أن آية التيمم مذكورة في سورة شهيرة متلوة متكررة فكيف خفيت عمن خفيت عنه و منها ما يرجع إلى القريحة و كون هذه القصة جرت له و جرى فيها تردد و بعدت منه إذ المسائل إذا تردد فيها النزاع حفظتها القرائح الجامدة و احتوت عليها نيران الفطنة الخامدة .

و من كتاب أبي إسحاق عند قوله تعالى في سورة براءة وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ ما صورته و يروى أن عمر بن الخطاب قرأ و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الراء و بغير واو في الذين فقال له أبي بن كعب إنما هو و الأنصار و الذين بالواو فعاودوه مرارا فقال أبي و الله لقد قرأتها على رسول الله وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ و إنك يومئذ تبيع القرص ببقيع الفرقد فقال صدقت حفظتم و نسينا و تفرغتم و شغلنا و شهدتم و غبنا ثم قال عمر لأبي أ فيهم الأنصار قال نعم و لم يستأمر الخطاب و لا بنيه فقال عمر كنت أظن إنا قد رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا الغرض من هذه القصة .

قال عبد الله بن إسماعيل : و إذا اعتبرت ما حوته هذه القصة تأكدت المعرفة بغبن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في تقدم هذا عليه بيان ذلك عدم المعرفة بتنزيل هذه الآية ثم بيان كون أبي قال له إني قرأتها

[18]

على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أنت تبيع القرص ببقيع الفرقد فصدقه و كان ذلك قريبا من موت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ سورة براءة آخر ما نزل من السورة فانظر كيف تقلبت الحال حتى صار مع ضعف الوسائل تارة بالنقص في العلوم و تارة بعدم البسالة و تارة برقة الحال و تارة بمناظرته في أن التنزيل كما قال و ليس الأمر كذا إلى أن صار رئيسا لمن زلت طائفة من العقول لشرفه فتوهمته إلها معبودا و ربا موجودا نعوذ بالله تعالى من مقالتهم و سوء طريقتهم و مما يشبه قول أبي في بيع القرص ما روي أن أبا بكر حض الناس على الجهاد فتثاقلوا قال عمر لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً ... الآية فقال له خالد بن سعيد بن العاص يا ابن أم عمر أ لنا تضرب أمثال المنافقين و الله لقد أسلمت و أن لبني عدي صنما إذا جاعوا أكلوه و إذا شبعوا استأنفوه .

و مما يلحق بهذا ما روي من : أن نسوة رأين عمر راكبا و معاوية ماشيا فقلن أ لا تعجبن عمر راكب و ابن هند ماش .

و من ذلك ما رواه المؤرخون من كونه : حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة و قيل في سبعة عشر سنة و من روى الرواية الأولى قال إنه لما حفظها نحر جزورا .

قال عبد الله بن إسماعيل : إن القول في هذا كما قيل في جنسه من أنه إن كان هذا قدر القريحة فغريب أو قدر الاهتمام فعجيب و يمكن أن يقال إن نحر الجزور يدل على الأول لأن النحر يدل على شدة السرور بحفظها

[19]

و شدة السرور بحفظها أمارة اهتمامه بها فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ .

و من ذلك ما روي أن عمر علل إخراج ولده عبد الله من الشورى لأنه عجز عن طلاق امرأته و صورة ذلك أنه طلقها حائضا .

رواه البخاري عن سليمان بن حرب و رواه مسلم عن عبد الرحمن بن بشر عن بهر كلاهما عن شعبة و رواه الواحدي في الوسيط بإسناده إلى سبعة عن أنس بن سرين قال سمعت ابن عمر يقول طلق ابن عمر امرأته و هي حائض فذكر ذلك عمر للنبي (ص) فقال : مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها إن شاء قلت فيحتسب بها قال فمه .

قال عبد الله بن إسماعيل : إذا منع إدخاله في الشورى و هو تشبث بالخلافة كون عبد الله ما عرف طلاق امرأته فليكن عدم المعرفة بمقدار المهر أولى من التشبث بها و ألزم في عدم التحصيل لها و إنما قلت ذلك لأن عقد المحلول أيسر من حل المعقود و إذا كان عمر عجز عن معرفة قدر المهر حسب ما سلف غاليا و هو أحد لوازم العقد المتيسر فليكن أبعد من الخلافة بمراتب ممن عجز عن حل العقد المتعسر و الله أعلم .

و من ذلك ما رواه الواحدي في كتاب الوسيط عند قوله تعالى وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ .

قال أخبرنا الفضل بن إبراهيم الصوفي أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه أخبرنا أبو بكر أخو أبي الليث حدثني السكوني حدثني أبو أسامة عن عبد الله بن عمر و عن نافع عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله

[20]

أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلى عليه فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله تصلي عليه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما خيرني الله فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ فأنزل الله عز و جل وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً .

إلا أنه قال الواحدي بعد هذا رواه البخاري عن عبيدة بن إسماعيل و رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي أسامة و نقلت من كتاب السدي في تفسير القرآن بعد كلام ذكره يتعلق بعبد الله بن أبي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى ولده قميصه التحتاني فكفن فيه ثم قال ما صورته تقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليصلي عليه فقام عمر بين يديه ليحول بينه و بين الصلاة عليه فقال يا رسول الله صلى الله عليك أ تصلي عليه أ ليس هو صاحب كذا و كذا فذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نحو ما روي في الحديث الأول من التخيير و من تفسير الثعلبي فلما أكثر عليه قال أخر عني يا عمر فقد خيرت فاخترت .

قال عبد الله بن إسماعيل رحمه الله تعالى : العدل في هذه القصة أن يقال لا يخلو الزاري على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن يكون عارفا تأييده بالله و عصمته و حراسته من الوهن و سلامته أولا فإن كان الأول فالإقدام بالإزراء إقدام على عين الخطأ عمدا و إن كان غير عارف بما وقعت به الإشارة فهو خطر فظيع و وهن شنيع و لهذا لواحق مذكورة في مظانها مثبتة في أوطانها .

[21]

و روى الواحدي في كتاب الوسيط مرفوعا عند آية الحجاب من سورة الأحزاب إلى أنس قال قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله تدخل عليك من الناس البر و الفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب قال الواحدي رواه البخاري عن مسدد .

قال عبد الله بن إسماعيل و روى الثعلبي حديثا رفعه إلى عائشة قال : كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) احجب نساءك فلم يفعل و كان أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرجن ليلا إلى ليل إلى المصانع و هو صعيد أفيح فخرجت سودة بنت زمعة و كانت امرأة طويلة فرآها عمر و هو في المجلس فقال قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله آية الحجاب و سيأتي عند سورة التحريم شي‏ء يتعلق بهذا إن شاء الله تعالى .

قال عبد الله بن إسماعيل رحمه الله : الآيات و الآثار في وجوب الاقتداء بسنن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) موجودة فما هذا الالتزام للإقدام عليه بالنكير و على زوجته بالتهجم الكبير لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ * قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ و قد ثبت في الحديث المروي من جهة القوم أوردنا في عدة مواضع من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :

الحق مع علي و إذا كان أمير المؤمنين تبع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و بعض

[22]

أمته على الحق مطلقا فما ظنك بسيده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و إذا كان الأمر على هذه القضية لا جرم تحقق كون من رد على رسول الله مغلطا له مصوبا بسهام الطعن إليه و إليه .

و من كتاب الكشف في تفسير سورة الفتح قال بعد كلام :

فقال عمر و الله ما شككت منذ أسلمت إلى يومئذ فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت أ لست رسول الله قال بلى قلت أ لسنا على الحق و عدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا قال إني رسول الله و لست أعصيه و هو ناصري قلت أ لست تحدثنا إنا سنأتي البيت و نطوف به قال بلى هل أخبرتك أنك تأتيه العام قلت لا قال فإنك ستأتيه و تطوف به قال قال ثم أتيت إلى أبي بكر فقلت أ ليس هذا نبي الله حقا قال بلى قلت أ لسنا على الحق و عدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذن قال أيها الرجل إنه رسول الله و ليس يعصي ربه فاستمسك بعزره حتى تموت فو الله إنه لعلى الحق قلت أ و ليس كان يحدث أنه يأتي البيت و يطوف به قال أ و أخبرك أنه يأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه و مطوف به و روي في الجمع بين الصحيحين مثله .

قال عبد الله بن إسماعيل رحمه الله تعالى : إذا عرفت هذا تأكد انطواؤك على معرفة الغبن لمولانا أمير المؤمنين في تقديم هذا الشاك و هو القائل الصادق بتصديق رسول الله له فيما يشير إليه لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا فأين ذلك النقص من هذا الكمال و أين ذلك الشك من هذا اليقين

[23]

أكثر ما يقال إنه أظهر التوبة مما قال لكن الرجوع عن العقيدة المنجية الإسلامية حصل ثم إنك إذا اعتبرت فنون ما رويته و أرويه و أغفلته مما يعرفه النبيه رأيت المعنى من ذلك ما أشبه الليلة بالبارحة و الغادية بالرايحة من تردده في الأمور و شكه في تدبير الرسول الميمون المبرور .

و مما يشبه هذه القصة ما رواه الواحدي في كتاب الوسيط عند سورة التكاثر عند قوله ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ .

قال أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن إبراهيم أخبرنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد أخبرنا عبد الله بن محمد المنيعي حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا حشرج بن نباته حدثنا أبو نصير عن أبي عسيب قال : خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلا فدعاني فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه ثم انطلق يمشي و نحن معه حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط أطعمنا بسرا فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه ثم دعا بماء فشرب ثم قال إنكم لمسئولون عن هذا يوم القيامة فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة قال نعم إلا عن ثلاث خرقة يواري الرجل بها عورته أو كسرة يسد بها جوعته أو حجز يدخل فيه من الحر و البرد .

[24]

قال عبد الله بن إسماعيل : و هذه القصة إذا اعتبرتها و تبينت ما حوته زادت بصيرتك في معرفة الغبن لمن كان الإيمان مخالطا للحمه و دمه و كان من أمن الزلل في أبلغ ذرى معاقل عصم جرمه أول أمره في ذلك كالآخر و سالفه كالغابر و لذلك مظان من طرق القوم مفهومة و محال معلومة يفهمها المقصر فضلا عن اللاحق و يشترك فيها المسوف و السابق .

قال عبد الله بن إسماعيل قال أبو إسحاق الثعلبي عند تفسير سورة الفتح في سياق كلام عن عمر : فدعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبعثه إلى مكة فقال يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي و ليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني و قد عرفت قريش عداوتي إياها و غلظتي و لكن أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عثمان فبعثه .

قال عبد الله بن إسماعيل : يأمر رسول الله شخصا عن أمر الله فيحاجان و يناظران بيان الأول بالسيرة و بيان الثاني بقوله وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ هذا فظيع من الأمر و يؤيده قالُوا يا شُعَيْبُ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ .

و لو قلت طاني النار أعلم أنه *** رضى لك أو مدن لنا من وصالك

‏لقدمت رجلي نحوها فوطأتها *** هدى منك لي أو ضلة من ضلالك‏

هذا فيما يرجع إلى الدين و أما ما في ذلك من معاني الخور فإنه قلادة

[25]

هذه القصة و جلبابها و حليتها و خضابها و ليست هذه الخلة من شعار من تقدم عليه و ذوي قرابته في شي‏ء ليوث الأجناس أبطال المراس .

مقاديم وصالون في الحرب خطوهم *** بكل رقيق الشفرتين يماني

‏إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم *** لأية حرب أم بأي مكان‏

قال عبد الله بن إسماعيل : قد رأيت أن أذكر هاهنا قصة لائقة :

قال عمر بن الخطاب لأنس بن مدرك لقد رأيتني يوم عكاظ و الرمح في يدي و أنا في طلبك فقال له أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون أدركتني يومئذ قال و لم قال لو أدركتني لم تكن للناس خليفة .

قال عبد الله بن إسماعيل : قال ذلك معرفة منه بضعف العزائم و فشل القلب الخائم .

و من كتاب الكشف عند تفسير سورة الحجرات عند قوله تعالى وَ لا تَجَسَّسُوا قال أبو إسحاق و أخبرني ابن فتحويه أخبرنا ابن حبش أخبرنا علي بن رنجويه حدثنا سلمة حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرني أبو أيوب عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب حدث : أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو و أصحابه فانطلق عمر حتى دخل عليه فإذا ليس عنده إلا رجل فقال أبو محجن يا أمير المؤمنين إن هذا لا يحل لك قد نهاك الله عن التجسس فقال ما يقول هذا فقال زيد بن ثابت و عبد الله بن الأرقم صدق يا أمير المؤمنين هذا التجسس قال فخرج عمر و تركه .

قال عبد الله بن إسماعيل : إذا اعتبرت ما تضمنته هذه القصة زادت

[26]

معرفتك بغبن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) من جهة هذا المتقدم عليه حيث هو بمقام التقصير عما وصلت معرفة مشعوف بالخمر و غيره من الصحابة بيان شعف ابن أبي محجن قوله .

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها

و لا تدفنني في الفلاة فإنني *** أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

و تقرير هذه القصة من غرضي لأن الرئيس في معنى يتعين أن يكون عارفا به مالكا أعناق عذبه و لا شبهة في كون التقدم على جميع الأصحاب تقدما دينيا و من أقوى أسباب الدين المعرفة بما تضمنته آيات الكتاب فإذا فقد العلم بتلاوتها فقد أشكل تقدمه على جميع الأصحاب لكون الأحكام تأتي فجاءة فيحتاج إلى تدبير حاضر و إذا ضممت إلى هذا وجود ناهض بأعبائها مطلع على خفاياها و تقدم من لا يداني ذلك زاد تعجبك و تعتبك .

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** و لا سراة إذا جهالهم سادوا

و من سورة الامتحان عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ... الآية ذكر الثعلبي قصة مطولة من معناها أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف سلم إليها حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى أهل مكة يؤذنهم بتوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم و أعطاها عشرة دنانير و قيل عشرة دراهم فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا و عمر و طلحة و الزبير في آخرين بالخروج إليها و أخذ

[27]

الكتاب منها عن أمر الله تعالى فتوجهوا فوجدوها بروضة خاخ فسألوها عن الكتاب فجحدت فهموا بالرجوع فقال علي (ص) و الله ما كذبت و لا كذبت و سل سيفه و قال أخرجي الكتاب و إلا و الله لأضربن عنقك فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها و قد خبأته في شعرها فخلوا سبيلها و لم يتعرضوا لها حسب أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قال عبد الله بن إسماعيل : هذه القصة إذا اعتبرتها وجدتها مشكلة جدا في جانب من شك في صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أن سارة الكافرة أصدق من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أشار إليه لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) عرف الله تعالى و رسوله فبنى على ما أوعز إليه رسول الله فكشف الحال في صدق المقال و قد أنشدت في هذا بيتين لي فيهما تصرف .

لا تحسبنه و إن بدت خدع *** يرضى الخدوع و يقبل العذلا

لو كنت أنت و أنت مهجته *** واشى رضاك إليه ما قبلا

و من مسند أحمد بن حنبل مرفوعا إلى أبي حرب بن الأسود : أن عمر أتي بامرأة وضعت لستة أشهر فهم برجمها فبلغ ذلك عليا (عليه السلام) فقال ليس عليها رجم فبلغ ذلك فأرسل إليه فسأله فقال علي وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ و قال وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فستة أشهر حمله و حولين تمام لا حد عليها و إن شئت لا رجم عليها قال فخلى عمر سبيلها ثم ولدت بعد الستة أشهر .

[28]

قال عبد الله بن إسماعيل : و سوف يأتي في أخبار الثالث كلام في مثل هذا .

فصل

و من كتاب السدي عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى‏ أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ... الآية و ما يعقبها متعلقا بها قال لما أصيب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحد قال عثمان لألحقن بالشام فإن لي به صديقا من اليهود يقال له دهلك و لآخذن منه أمانا فإني أخاف أن تدال علينا اليهود و قال طلحة بن عبيد الله لأخرجن إلى الشام فإن لي صديقا من النصارى قال السدي أراد أحدهما أن يتهود و الآخر أن يتنصر قال فأتى طلحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عنده علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاستأذنه طلحة في المسير إلى الشام و قال إن لي بها مالا أخذوه فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أ عن مثلها من حال تخذلنا و تخرج و تدعنا فأكثر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاستئذان فغضب علي فقال يا رسول الله ائذن لابن الحضرمية فو الله لأعز من نصر و لأذل من خذل قال السدي و المرض الشك و الفتح الظهور عليهم و الأمر الذي من عنده الجزية ثم ذكر قول

[29]

المؤمنين عند ذلك فيهم وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني أولئك بقوله إنه يحلف لكم أنه مؤمن معكم فقد حبط عمله بما دخل فيه من أمر الإسلام حين نافق فيه .

و من سورة الأحزاب قال السدي عند قوله تعالى وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً لما توفي أبو سلمة و حبيش بن حذافة و تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأتيهما أم سلمة و حفصة و كانت تحت حبيش قال طلحة و عثمان أ ينكح محمد نساءنا إذا متنا و لا ننكح نساءه إذا مات و الله لئن مات لأجلنا على نسائه بالسهام قال كان طلحة يريد عائشة و عثمان يريد أم سلمه فأنزل الله تعالى وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ ... الآية و أنزل إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً و أنزل إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً قال عبد الله بن إسماعيل إذا تبينت ما حواه التنزيل في هذه الآيات بل و إن لم تتأمل عرفت من غبن الباطل لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما تعرف به جليا أن المراتب الدنيوية ليست معللة في طردها بالأهلية و أنها تجري مجرى الحوادث الاتفاقية تضع الرفيع و ترفع الوضيع و لذلك شرح أشرت إليه عند شي‏ء اقتضاه و بسطت القول في معناه

[30]

هون عليك يكون ما هو كائن *** قاضي القضاء و جفت الأقلام

‏كم من ضعيف العقل منهتك القو *** ى ماعنده نقض و لا إبرام

‏قد مالت الدنيا إليه بسيبها *** فعليه من رزق الإله ركام

‏و مهذب ندب أريب حازم مرس *** له فيما يروم مرام

‏أعيا عليه طلابه فكأنما *** فيما يحاوله عليه حرام

‏شتان بينهما إذا ما قويسا *** عجبا لما تأتي به الأيام‏

و لو لا أن الأمر جار على ما ذكرت و إلا فكيف كان يقدر أن يكون الثالث متقدما على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي عرف الحق بشهادة الرسول فقصد إليه لا تثنيه عنه الحوادث الصادفة و لا تلويه عن سننه الخطوب الصارفة و لا يستوحش من سلوك سبيل الحق و إن انفرد فيه و لا يتهيب مجال الصواب و إن أقفرت مفانيه مستمرا ذلك مع الرسول و بعد وفاته منذر التشبيه إلى حين انقضاء أوقاته و الوجه في ذلك أنه كوشف بالأسرار فمضى في جدد مكاشفته و نظر اليقين في أفق بصيرته فمضى على طريقته و هذا أحد الأسباب الذي اقتضى صرف الملك التمام الدنيوي عنه و إبعاده منه لأن الغالب مائل إلى زهرات الدنيا الفانية يخضمها قاصد خضراء بهجاتها يقضمها و لا يهضمها فشرع يحمي بحدود يقينه عنها و يباعد المغرورين منها فوتره الأكثر و هجره الغالب و اجتمعت عليه لذلك الكتائب فلم ينقض ذلك سور عزمه في منابذتهم و لا ضعف متن حزمه في محاربتهم فناهدهم بكتائب الجلد قبل الجلاد و سامهم شفار المشرفيات الحداد .

back page fehrest page next page