fehrest page next page

[1]



عين العبرة في رد العترة / للسيد أحمد بن طاووس

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

قال عبد الله بن إسماعيل الكاتب سامحه الله الحمد لله و أشهد أن لا إله إلا الله شهادة مخلص لجنابه في الإشهاد راج لحبائه يوم الإشهاد و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صفوة صفوته و خيرة خيرته صلى الله عليه و على الغرر من آله صلاة فارة عن حصر العدد قارة في حصن الذخائر و العدد .

و بعد فإن من سلف من الأفاضل جمع ما اتفق له من أسباب نزول آيات من الكتاب المجيد في رضي الله من خليقته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و فروع دوحته و قد رأيت لائقا أن يضم إلى ذلك شي‏ء مما ورد في مناقبهم من التنزيل و توابع ذلك ليبين فضل السادات على غيرهم بالتفضيل للسالك مقتصرا على رواية من لا يتهم على المنافين في محبتهم أو يطعن عليه في درايته قاصدا إلى ما حضرني مما رواه أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي في كتابه كشف البيان أو رواه علي بن أحمد الواحدي في تأليفه الوسيط في تفسير القرآن و إن اتفق غير هذا خلوا من ممارسة العناء و تتبع مدى الغايات في أقوال العلماء أثبته و في القليل من رواية هذين الشخصين إيضاح لما أغفلته اعتبارا بها أنه إذا دلت الجزئيات

[2]

على الغرض فما علمك بكليها و إذا سالت فروع الشوامخ يزداد وسميها فما جزمك بأساسها عند روي وليها و بالله التوفيق و العصمة .

فمن ذلك في سورة البقرة قال أبو إسحاق الثعلبي في آخر سورة البقرة عند قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ما صورته روت الرواة بألفاظ مختلفة :

قال لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر و عمر و عبد الرحمن بن عوف و معاذ بن جبل و ناس من الأنصار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجثوا على الركب و قالوا يا رسول الله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الآية إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه و إن له الدنيا و ما فيها و إنا لمأخوذون بما نحدث به أنفسنا هلكنا و الله و كلفنا من العمل ما لا نطيق قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام) سمعنا و عصينا فقولوا سمعنا و أطعنا فقالوا سمعنا و أطعنا و اشتد ذلك عليهم فمكثوا بذلك حولا فأنزل الله تعالى الفرج و الراحة بقوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ... الآية فنسخت هذه الآية التي قبلها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله تعالى قد تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعلموا أو يتكلموا به .

قال عبد الله بن إسماعيل سامحه الله تعالى إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) : بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمره لم يتهمه في رسم و لم يناظره في حكم حسب ما رواه الثعلبي و غيره متلقيا أخطار المنية بمهجته مستريحا إلى خشونة الموت و وحشته و لا يقال إن

[3]

حديث النفس لا يمكن التخلص منه بخلاف الصبر على الموت فإن كثيرا لم يحيدوا عنه لأن الجواب بما أن الله تعالى كامل و الكامل لا يكلف بالمحال و لا يأمر بالسعي مع تعذر المجال فإن كان القائل ما عرف هذا فالإشكال عليه بعدم معرفته و إن كان عرف فالإشكال وارد في وصف الله تعالى عمدا بغير صفته و إن كان شاكا فالإشكال بعدم المعرفة موجود و لو فرضنا كونه تعالى مكلفا بالمحال فالحرج عند رسم الله تعالى حصل و هو محذور ثم إن الحديث الذي يجري في النفس المشار إليه في القصة مشعر بشدة ما تجري في النفس و هو بعد إظهار الإسلام و إعلانه عند الاعتبار محذور كبير صعب و أما قول من قال إن الآية منسوخة بما أشار إليه فممنوع إن كان بنى على أن الآية الأولى مضمونها التكليف بما لا تصل القدرة إليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا إنما أمر تخييرا و نهى تحذيرا و كلف كما قال العارف (ص) يسيرا .

و من كتاب الكشف و البيان عند قوله تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ

قال روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال لما كان يوم بدر و جي‏ء بالأسرى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما تقولون في هؤلاء فقال أبو بكر يا رسول الله قومك و أهلك استبقهم و استأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم و خذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار قال عبد الله بن مسعود فلما كان من الغد جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا هو و أبو بكر قاعدان

[4]

يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شي‏ء تبكي أنت و صاحبك فإن وجدت بكاء بكيت و إن لم أجد بكاء تباكيت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبكي للذي عليه أصحابك في أخذهم الفداء و لقد عرض علي عذابكم أدنى إلي من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله .

و من سورة الحجرات عند قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ .

قال أبو إسحاق الثعلبي و أخبرني ابن فتحويه حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني هشام بن يوسف عن ابن جريح أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم قال : قدم ركب من بني تميم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أبو بكر يا رسول الله أمر القعقاع بن معبد بن زرارة و قال عمر أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي و قال عمر ما أردت إلا خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ .

قال عبد الله بن إسماعيل : هاتان القصتان و ما يجري في بابيهما منبه على خلاف ما يذهب إليه قوم من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستبقي أبا بكر عنده حيث الولايات تارة و حيث الحروب أخرى لأجل استنباط الآراء منه و أخذ التهذيب عنه إذ قد بان بالأولى ثمرة رأي الأول قرب العذاب من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و في الأخرى نهيه و نهي الثاني عن أن يقدموا بين يديه حسما لمادة رأي لا تحمد عاقبته و لا تشكر مغبته .

[5]

فصل

يوافق هذا ما روي من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما بعث عليا في بعض شئونه قال يا رسول الله ترسلني في الأمر فأكون فيه كالسكة المحماة في العين أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب .

ثقة منه بسداد مقاصده و شرف مصادره و موارده و كيف يليق من عاقل أن يقول إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان محتاجا إلى رأي سواه مع تأييده بتدبير الله فيما أولاه مع وفور تجاربه المتقنة و فنون أغراضه السديدة المتباينة ثم لو جاز أن يكون محتاجا كما ذكره الغلاة في محبة أصحابهم إلى مشاورة من ذكروه لما جاز أن يكون في الأوقات المتكررة مستفيدا منهم آخذا عنهم ثم إن الذي ذكره الغلاة شي‏ء لم يبرهنوا عليه و لم يشيروا بأمارة عليه بل ساقهم الغلو إلى أن رموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسهام النقص ليكملوا أصحابهم و ينزهوا أحبابهم و إذا اعتبرت رأيت الأمارات المقتضية لترك الإخلاد إلى من وقعت الإشارة إليه نقصه في الرأي حسب ما تضمنته هاتان القصتان و غيرهما أو نقصهما في معاني الشجاعة حسب ما دلت عليه القصص الخيبرية و الأحدية و الحنينية و غيرهن فرأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تخلفهم عن مقارعة الأبطال و ملاقاة الرجال أحوط في بقاء الإسلام و انتظامه و أمر في فتل حيله و إبرامه و وكل الحروب إلى فرسان النزال و بهم القتال أمير المؤمنين علي

[6]

ابن أبي طالب (عليه السلام) و من سلك مقصرا شرعته و أم عاجزا محجته .

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها *** و إن شمرت يوما له الحرب شمرا

و يحمي إذا ما الموت كان لقاؤه *** سرى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا

كليث هزبر راح يحمي ذماره *** رمته المنايا قصدها فتقطرا

و هذا هو الجواب عما يذكرونه بالتخصيص من قعوده مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على العريش يوم بدر إذ كان لذلك اليوم جامعا لرجال الكفاح و فرسان الصياح لامعا بشبا الرماح كالحا عن أنياب الأخطار و فناء الأعمار و قتام البوار يليق من لا يرهب الموت و يحن إليه و يشتاق إلى لقاء الله و يعطف عليه .

أغر كمصباح الظلام تخاله إذا *** سار في ليل الدجى قمرا بدراو

يأخذ رايات الطعان بحقها *** فيوردها بيضا و يصدرها حمرا

فإن قيل فإن لم تدل هذه الصحبة على الاختصاص المنبئ عن فضله فلتدل صحبة الغار قلت ممنوع إذ من الجائز أن تكون تلك الصحبة لغير ذلك من أمور متعددة حكمية أو لأنس أثمره دوح الطبيعة الجبلية .

و قد تألف العين الدجى و هو قيدها *** و يرجى شفاء السم و السم قاتل‏

و يمكن أن يكون المراد من قوله تعالى في آخر الآية إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مع قوله في أولها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي يا من آمن ظاهرا اتق الله إن كنت آمنت بالله باطنا ليتطابق الكلام و الله أعلم و من طريف ما تضمنته القصة قول أحد الرجلين للآخر ما أردت إلا خلافي و قوله ما أردت

[7]

إلا خلافك بيان الاستطراف أنهما لما راما تدبير الخلافة صفت النيات و خلصت الطويات و صارت أيديهما عليها واحدة و عزماتهما في تأسيس قواعدها صادرة واردة .

فصل

و من سورة براءة ما رواه أبو إسحاق في كتاب الكشف و البيان من كون علي (عليه السلام) أخذ ما حمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أبي بكر بإذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من سورة براءة و هو أربعون من صدرها بعد ما توجه إلى مكة فكان أخذها منه بذي الحليفة و إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :

لا يبلغ عني غيري أو رجل مني .

قال عبد الله بن إسماعيل : إنك إذا اعتبرت هذه القصة ظهر لك منها ما ظهر لغيرك من أرباب العقول من كون من أخذت منه ليس محلا قابلا للاختصاص به و الإخلاد إليه و التعويل في أسرار الله تعالى و تدبير ملته عليه إذ كان من هبط عن بعض الرتبة أولى بالهبوط عن جملتها و أن لا ينزل من الدرجة العالية في ذروتها و منبه على أن الاختصاص بأكمل المراتب و أسمى المناصب العازل و إن ربعه أولى بالمجد الأهل و منبه أن ذلك عن تدبير مدبر الوجود و هو أبلغ في المقصود و إنما قلت ذلك لأن الله تعالى قال عن رسول الله وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ و إذا كان الأمر على هذه القضية فإن الأمر بإعطائه الآيات

[8]

عارف بما يؤول إليه الحال من أخذها ممن أخذت منه جهارا على أظهر الحالات و ذلك عين القصد لإبانة نقصه و كمال من أخذها ليقرأها بنية إخلاصه و يقينه و براعة تبيينه و شجاعة قلبه و حماسة دينه و من ذلك غزاة حنين و قول الأول لن نغلب اليوم من قلة فهزم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و كانوا اثني عشر ألفا عدا أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس بن عبد المطلب في آخرين قليلين لم يكن القائل منهم هذا المعنى من قوله منقول من كتاب المفضل بن سلمة في تفسير القرآن و إذا اعتبرت هذه القصة عجبت مما تضمنته و حوته من كون من أشار إليه لم يعرف له يوم في جهاد فرق فيه الكتائب و أردى فيه المقاتب و قتل فيه الأقران و اصطلم فيه الشجعان و ما اكتفى بذلك حتى كان بكلمته مع أعداء الله ألبا على الإسلام عظيما و خطبا جسيما لو لا ما أيد الله تعالى به الإسلام من السيوف الهاشمية و المقامات العلية العلوية و من شركها في بعض معانيها و الفضل لمن كان في خيل الجلاد في هواديها مصطلما مهج الكماية كاشفا غيابات الملمات .

شديد مضاء البأس يغني لقاؤه *** إذا زحموه بالقنا و القنابل‏

و من تفسير الثعلبي في تفسير سورة قاف روى بإسناده عن واصل عن أبي وائل قال و لما كان أبو بكر يقبض قالت عائشة :

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى *** إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصدر

فقال أبو بكر يا بنية لا تقولي ذلك و لكنه كما قال الله تعالى و جاءت سكرة الحق بالموت .

[9]

فصل

قال عبد الله بن إسماعيل اعتبر : كيف خلا المذكور من حفظ كتاب الله تعالى و لما شرع في تلاوة آية غيرها عن وضعها و تكلم بها على غير قاعدتها و ربما جعل الغلاة ذلك قراءة له لخصوصية به و لئن صح جعل كل غلط قراءة أدى ذلك إلى نسخ الكتاب جملة نعوذ بالله من الغلو من الدين المنبعث عن الهوى المردي و به نستعين من سورة النساء من كتاب الكشف عند قوله تعالى وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا قال المصنف الثعلبي و أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن خالد حدثنا داود بن سليمان حدثنا عبد بن حميد حدثنا حجر بن عبيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي إن أبا بكر سئل عن قوله تعالى وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا قال أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم و قد روي أن عمر اشتبه عليه ذلك أيضا و قال عند الحديث في هذا تكلف .

قال عبد الله بن إسماعيل : إذا تأملت صورة هذه القصة عجبت من غبن الزمن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) كما عجبت من قبل من قصد الحيف إليه .

بيان ما اندرج عليه هذا الكلام : اعلم أن هذه الكلمة التي قصر العلم عنها كلمة لا شبهة عربية شهيرة بين الأواخر فضلا عن الأوائل و الذي استعجمت عليه عربي هذا نقص في العربية منه و هو أجلى جلاه و أظهر معناه فكيف بما عدا ذلك من علوم كسبية و فوائد نقلية هذا فيما يرجع إلى المذكور و أما مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

[10]

فإن الواحدي روى عند قوله تعالى وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ .

أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) : إن الله تعالى أمرني أن أدنيك و لا أقصيك , و أن أعلمك و تعي , و حق على الله أن تعي .

و كفى بذلك دليلا على ما حواه من قحم الفضائل و صواب القول الفاضل جبلية كانت المعارف أو كسبية عقلية أو نقلية و بيان هذه صواب الرواية و صحتها و تحقيقها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و صراحتها أنه (عليه السلام) كان البحر المتلاطم عند جمود الأذهان الخطيب المصقع عند كلال اللسان و اضطراب الجنان يستخرج من أصداف القرائح جواهرها و يستنبط من عيونها زاخرها و يتقلد من حلي عقودها فاخرها و يستطلع من أفق أسرارها بدورها و يستوضح من أكناف عرصاتها شذورها فلسانه و سنانه في المضاء سيان و جنانه و بيانه أخوان توأمان .

لكشف ستور الدارعين سنانه *** و للقصة الطخياء تجلو مناطقه

‏له قدم في المجد تخترق الثرى *** رسوخا و بالعرش المحلق عاتقه

‏أخو العزم رب الحزم ندب إذا ونى *** سريع رمته بالفتور عوائقه‏

و مما يبرهن غبن العترة فيما بدأت به من القصة .

أن أبا عمر الزاهد حكى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لابن عباس إذا كان بعد العشاء الآخرة فالقني في الجبان فلحقه فمضى في تفسير لفظة الحمد و هي خمسة أحرف من بعد العشاء إلى طلوع الفجر ثم قال له قم إلى وضوئك .

و مما يلحق بهذا قوله عليه السلام :

فو الله لا تسألوني عن آية في كتاب الله عز و جل نزلت في ليل أو نهار أو سهل أو جبل إلا أخبرتكم .

[11]

و مما يلحق بهذا قوله (عليه السلام) :

لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم .

و غيره خفي عنه لفظة عربية في الكتاب المنزل على النبي المبعوث إليه فاعتبر هذا المعنى لتثبت ما نبهت من الغبن في تقدم المشار إليه عليه .

غبن له حدق الإنصاف ناكبة *** عزوبها الدهر بالجريال تنسكب‏

و مما يلحق بهذا ما روي من أن الفضل بن مروان كاتب الحسن بن وهب قرأ على المعتصم كتابا فسأله عن الكلأ فقال لا أدري فقال سل عنه فلما سأل عنه رجع إلى المعتصم فقيل سألت عنه فقال هو العشب فأمر له بمائة ألف درهم فانصرف إلى الحسن بن وهب فأخبره فقال له الحسن لو ضربك مائة ألف سوط على قلة فهمك كان أعود عليك مما أعطاك على جهلك .

قال عبد الله بن إسماعيل إن الحسن استفظع و أنف أن يكون كاتب من كتابه يجهل ما جهله من معنى الكلمة العربية و هما بعيدا العهد من مخالطة أربابها و كاتبه تبع تبع لبعض البرية فاستحسن العقلاء الاستفظاع و ساعدوا عليه و رأوا الفضل بمقام نقص فيما انتهت حاله إليه فكيف و لا يأنف ملك البرية من أن يلي أكمل مراتب خدمته جاهل بكلمة من لغة قومه و قبيلته و هذا أيضا يؤكد الغبن لعارف المسلمين و خطيبهم و فصيح قريش و نجيبهم مقلد الحق أعناق بعيدهم و قريبهم بما شرع

[12]

لهم من سنن الفوائد و مهد لهم من مستوعر شريف المقاصد .

فإن لم يكن للفضل ثم مزية *** على الجهل فالجهد الطويل من الغبن‏

قال عبد الله بن إسماعيل : تصرفت بقولي الجهد تنزيها لمن استشهدت عنه عن صورة الكلمة الخافية قصة موضحة عن الغبن أيضا روي عن الواقدي أن أبا بكر و عمر جاءا دار عثمان بن شيبة طالبين مفتاح الكعبة فقالت أمه خذ المفتاح فإن تأخذه أنت أحب إلي من أن تأخذه تميم و عدي و قال الواحدي عن جماعة المفسرين إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أخذه من عثمان قسرا ثم رده اختيارا قال ذلك عند قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها و من جنس هذا ما روي من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمشي بين أبي بكر و خالد بن سعيد إذ مر بقبر أبي أحيحة أبي خالد فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذا لقبر رجل عظيم الجمرة يوم القيامة فقال خالد و الله يا رسول الله ما سرني أنه كأبي قحافة و أنه في أعلى عليين فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى رد بيده على فيه ثم قال يا أبا بكر لا تؤذين مسلما بكافر .

فصل

و من كتاب الكشف و البيان عند قوله تعالى في سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ و قال محمد بن سيرين نزلت هذه الآية و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسيره إلى حجة الوداع و إلى جنبه حذيفة و إلى جنب حذيفة عمر و لقاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حذيفة

[13]

فلقاها حذيفة عمر فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها رجاء أن يكون عنده تفسيره فقال له حذيفة و الله إنك لأحمق إن ظننت أن إمارتك تحملني على أن أحدثك فيها بما لم أحدث يومئذ لقانيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلقيتكها كما لقانيها و الله لا أزيدك عليها شيئا أبدا فقال عمر لم أرد هذا رحمك الله ثم قال عمر اللهم من كنت بينتها له فإنها لم تبين و من فهمها فإني لم أفهمها و قال طارق بن شهاب أخذ عمر كتفا و جمع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورها فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا فقالوا لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه قال و خطب عمر الناس يوم الجمعة فقال إني و الله لا أدع بعدي شيئا هو أهم إلي من الكلالة سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها فما أغلظ لي في شي‏ء ما أغلظ لي فيها حتى طعن في فخذي و قال تكفيك آية السيف .

قال عبد الله بن إسماعيل رحمه الله تعالى : إنك إذا اعتبرت هذا النقص في القريحة تارة و في الكسب أخرى و قرنت إلى ما نطق به معلوم السيرة و نبهت عليه آنفا من حال أمير المؤمنين (عليه السلام) عجبت و رأيت أن كل مغبون إذا فكر سأل بما جرى إذ كيف تقلبت به الحال لا يدانى به مظلمة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) و أن غبنه مغمور فيما انساق أمر مولانا إليه و أقرر هذا مبالغا فأقول إن الله تعالى قال في آخر الآية يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا أي لئلا تضلوا إذا عرفت هذا تنبهت على

[14]

أن الفهم بطي‏ء إذ مع كون الإرادة الإلهية متعلقة بالإفهام ما فهم من فهم و لا دري من درى فكيف به عند شي‏ء لا يقترن بهذه الإرادة الموقظة عين الأذهان الهادية إلى سبيل البيان ثم إن الأمر في الآية جلي منصوص عليه فيها و هو إن الكلالة الأخوة حسب ما تضمنته الآية و أوضحته و إن قيل إنما التبس عليه بمجرد اللغة فيها قلت ممنوع لأن أبا بكر كان يقول الكلالة من عدا الولد و كان عمر يقول من عدا الولد و الوالد فالإشكال عليه إنما كان في موضع الوضوح لا فيما عداه و أيضا فإن بعض الأشياخ الفاضلين حكى عنه أنه لما جرى حديث الأب عنده قال و ما هذا التكلف إذا عرفت هذا و ما قبله بان لك أن المعنى للمشتبه عليه هو جلي في الآية واضح في التنزيل أضربنا عن هذا فإن الآية شارحة بنفسها للمراد من الكلالة و كفى بهذا في إيضاح المعنى منها و الذي تقرر أن الإشكال على المشار إليه كان في غير موضعه حسب ما أشرت إليه كون رسول الله غلظ عليه سؤاله و طعن في فخذه فلو كان الأمر محتملا للسؤال ما كان لطف الرسول و رأفته و مؤيد تسليكه قاضيا بالغيض و الطعن لفخذه ثم إن الله تعالى لما عرف ما عزم عليه من تفسير الكلالة أخرج حية منعت من ذلك علما منه بما تئول الحال من الخلل إليه و أزيدك في تعرف معنى الغبن فأقول ظاهر و لا خلاف في أن الثاني كان كثير التعلم من مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأخذ عنه و الاستفادة منه تارة في التدبيرات الدنيوية و تارة في المسائل الشرعية أما في التدبيرات الدنيوية فإنه لما تخيل لعمر المسير .

[15]

إلى العراق للغزو منعه و عرفه وجه المصلحة في ذلك فاتبعه و من جنس ذلك ما جرى في عزمه على أخذ مال الكعبة لتقوية المجاهدين و هذا التنبيه جار في باب الدين و هذا المعنى باب وسيع جدا و من غريبه قصة أثبتها من خاطري و قد تختلف صورتها مروية عن الحكم بن مروان عن خير بن حبيب قال نزلت بعمر بن الخطاب نازلة قام لها و قعد و ترنح و تفطر ثم قال أيها الناس ما عندكم فيها قالوا يا أمير المؤمنين أنت المرجع و إليك المفزع قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً .

قال عبد الله بن إسماعيل : عرف أنهم مدحوه بغير صفته و حلوه بغير حليته فلما رأى قول الاستهزاء منهم قال فقال لهم أما و الله إنكم لتعرفون ابن نجدتها الخبير بها قالوا و من ذاك كأنك تشير إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال فأنى يعدل به عنه و هل طفحت حرة بمثله قالوا فلو دعوته فأتاك قال هناك شمخ من هاشم و لحمة من الرسول و أثرة من علم يؤتى لها و لا يأتي قال فتوجهوا إليه فوجدوه في بستان له يتركل على مسحاة و هو يقرأ أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ و دموعه تهمي على خديه فتركوه حتى فرغ من بكائه ثم سأله عمر المسألة فأصدر إليه جوابها فلوى عمر يديه و قال أما و الله إن الحق أرادك و لكن قومك أبوا عليك فقال له أمير المؤمنين خفض عليك من هنا و هنا أبا حفص إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً فأظلم وجهه كأنما ينظر من ليل .

  fehrest page next page